اقتصاد

العمالة المنزلية الأجنبية: سوق الملايين خارج الرقابة

المحامي ميشال فلّاح -

اعتاد لبنان أن يناقش قضية العاملات الأجنبيات في الخدمة المنزلية من زاويتَين متقابلتَين: حقوق العاملة في مواجهة «الكفيل»، أو حقوق صاحب العمل في مواجهة ظاهرة «الهرب». لكنّ المقاربتَين، على أهمّيتهما، تحجبان سؤالاً لا يقلّ أهمية، كيف يمكن لدولة أن تسمح بقيام قطاع يضمّ عشرات آلاف العمال، وتتحرَّك عبره مئات ملايين الدولارات، من دون سياسة متكاملة للعمل والهجرة والرقابة؟ أخبارلبنان

فالعمالة المنزلية الأجنبية لم تعُد علاقة خاصة بين أسرة وعاملة، بل أصبحت سوقاً تتداخل فيها وزارة العمل والأمن العام ومكاتب الاستقدام والوكلاء في الخارج وشركات التأمين وتحويل الأموال، فضلاً عن أصحاب العمل والعاملات أنفسهنّ.

وتكشف أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة حجم الظاهرة الأوسع. ففي مسح أُجري بين تموز وآب 2026، أُحصي 164,490 مهاجراً في لبنان، 71% منهم نساء. وتصدَّرت الجنسية الإثيوبية بنسبة 43%، تلتها البنغلادشية 22%، ثم السودانية 9%، فالفيليبينية 8% والمصرية 5%. كما تبيَّن أنّ 52% يعيشون لدى أصحاب العمل، مقابل 48% خارجه. ولا يعني ذلك أنّ جميع هؤلاء عاملات منزليات، لكنه يكشف الحجم الذي بلغته العمالة المهاجرة، ويفرض الانتقال من إدارة الحالات الفردية إلى إدارة سوق عمل. أخبارلبنان

 

تكلفة تبدأ قبل وصول العاملة

يبدأ المسار بموافقة مسبقة من وزارة العمل وسمة دخول للعمل، ثم إجازة عمل، إقامة، تأمين، فحوص طبية، عقد، تعهّدات، وإثبات لقدرة صاحب العمل المالية. لكنّ المفارقة أنّ العاملات في الخدمة المنزلية ما زلن خارج الحماية العادية لقانون العمل، بسبب استثناء الخدمة المنزلية من نطاق تطبيقه. كما أنّ محاولة اعتماد عقد موحَّد جديد سنة 2020 يوفّر حماية أوسع، عُلّق تنفيذها بقرار من مجلس شورى الدولة. والنتيجة علاقة غير متوازنة في الاتجاهَين: العاملة يرتبط وضعها المهني والقانوني إلى حدّ كبير بصاحب عمل محدَّد، فيما يتحمّل الأخير كلفة الاستقدام والإقامة والتأمين، وقد يخسر جزءاً مهمّاً منها إذا انتهت العلاقة سريعاً.

 

مكاتب الاستقدام: الطرف الثالث

يكتمل المشهد بمكاتب الاستقدام. فبحسب نقابة أصحاب المكاتب، يوجد في لبنان أكثر من 514 مكتباً مرخَّصاً، ما يجعل الاستقدام نشاطاً اقتصادياً مستقلاً لا مجرّد وساطة إدارية. وتخضع المكاتب لترخيص وزارة العمل، ويمكن إلغاء الترخيص عند الإضرار بأصحاب العلاقة أو بالمصلحة العامة. كما يفترض ألّا تنتهي وظيفة المكتب بمجرّد وصول العاملة، بل تمتد، وفق التنظيمات ذات الصلة، إلى المتابعة والتدخّل عند المشكلات. أخبارلبنان

 

وتظهر أهمية المكتب، خصوصاً خلال المرحلة الأولى من العلاقة، إذ عرفت منظومة الاستقدام ضمانات تلزم المكتب، ضمن شروطها، باستبدال العاملة أو إعادة بدل الاستقدام في حالات معيّنة إذا تركت العمل خلال الأشهر الأولى. وبذلك يكون الانقطاع المبكر عن العمل خسارة محتملة لصاحب العمل والمكتب معاً.

 

أمّا التكلفة الحقيقية للاستقدام، فتبقى بحاجة إلى شفافية أكبر. فقد سجّلت دراسات سابقة مبالغ تراوحت تاريخياً، وفق الجنسية والفترة، بين نحو 1,200 وأكثر من 4,000 دولار، شملت بنسب مختلفة السفر وخدمات المكاتب والوكلاء في بلدان المصدر والإجراءات. وهذه أرقام تقريبية وتختلف من مكتب الى آخر.

 

والسؤال الذي يفترض أن تجيب عنه الدولة اليوم بسيط، كم يكلِّف استقدام عاملة فعلياً، ولِمَن يذهب كل دولار؟ فاتورة موحّدة تفصل الرسوم الرسمية عن تذكرة السفر والتأمين وأتعاب المكتب والوكيل الخارجي ليست تفصيلاً محاسبياً، بل وسيلة لحماية صاحب العمل والعاملة معاً، ولمعرفة الحجم الحقيقي لـ»اقتصاد الاستقدام».

«الهرب» أم ترك العمل؟

مصطلح «هروب العاملة» نفسه يحتاج إلى مراجعة، لأنّه يجمع وقائع مختلفة قانوناً وأخلاقاً. فقد تترك العاملة المنزل بسبب عدم دفع الأجر، سوء المعاملة، حجز وثائقها، أو الاعتداء عليها. ووثقت منظمة العمل الدولية حالات من هذا النوع، معتبرةً أنّ بعض الممارسات قد تبلغ في خطورتها مستوى العمل الجبري. لكن هناك حالة مختلفة، عاملة استُقدِمت على نفقة صاحب عمل ملتزم، واستُخرجت لها الإقامة وإجازة العمل والتأمين، ثم تتركه لتعمل بصورة مستقلة لدى أسر متعدِّدة، من دون تسوية وضعها القانوني.

 

حماية الحالة الأولى لا تستوجب إضفاء المشروعية على الثانية. فالحق في مغادرة مكان الإساءة من مقتضيات الحرّية والكرامة الإنسانية، لكنّ ذلك لا ينشئ حقاً تلقائياً بالعمل لدى الغير خلافاً لقواعد الإقامة والعمل. وانتقال العامل إلى صاحب عمل جديد يفترض أن يتمّ ضمن آلية قانونية واضحة وسريعة. وعندما تعجز الدولة عن توفير هذه الآلية، تنشأ سوق موازية، عاملات يعشن خارج منزل صاحب العمل، ويعملن لدى أكثر من جهة، فيما يكون شخص آخر قد تحمّل أصلاً كلفة دخولهنّ وإقامتهنّ.

 

ربع مليار دولار سنوياً؟

هذه السوق لها وجه اقتصادي قلّما يناقَش. فبحسب بيانات مصرف لبنان، بلغ إجمالي تحويلات العمال من لبنان إلى الخارج نحو 1,79 مليار دولار خلال 2025، بمعدَّل يقارب 149 مليون دولار شهرياً. لكنّ الرقم يشمل جميع العمال ولا يسمح بعزل العاملات المنزليات. غير أنّ رقماً قديماً نسبياً إنما يوفّر نقطة ارتكاز مفيدة، نقلت Human Rights Watch عن مصرف لبنان، أنّ التحويلات الإلكترونية خلال النصف الأول من 2009 بلغت 37,5 مليون دولار إلى الفيليبين، 27 مليوناً إلى إثيوبيا، 17,8 مليوناً إلى سريلانكا و9,2 ملايين إلى بنغلادش، أي 91,5 مليون دولار خلال 6 أشهر لـ4 جنسيات، أو ما يعادل نحو 183 مليون دولار سنوياً، إذا استمرَّت الوتيرة نفسها. وهذا الرقم يمكن القياس عليه نسبياً مع كل التطوُّرات المالية التي حصلت في لبنان من حينها إلى اليوم، بالنسبة لسعر صرف الدولار وغيرها. أخبارلبنان

وأظهرت دراسة ميدانية على عاملات إثيوبيات في لبنان، أنّ كثيرات منهنّ كنَّ يحوِّلن معظم أجورهنّ، مع متوسط يمكن تقديره من نتائج العيّنة بنحو ثلاثة أرباع الدخل. وعند تقاطع هذه المؤشرات مع أعداد العمالة الحالية ومستويات الأجور، يمكن بناء تقدير اقتصادي أولي، وليس إحصاءً رسمياً، يتراوح بين 200 و350 مليون دولار سنوياً لتحويلات العاملات المنزليات، مع نقطة وسط تقارب 250 مليون دولار. أخبارلبنان

 

ولو صحَّ التقدير الوسطي، فنحن نتحدَّث عن نحو 14% من إجمالي تحويلات العمال الخارجة من لبنان. لكنّ تحويل الأجر إلى الخارج ليس مخالفة، ولا يصحّ التعامل معه كاتهام، فالأجر المشروع ملك لصاحبه. السؤال الاقتصادي الحقيقي هو: كيف يمكن لدولة أن تجهل الحجم الدقيق للتدفقات المالية الناتجة من قطاع تنظّمه بنفسها؟

 

من كفالة الشخص إلى كفالة القانون

الحل ليس في إطلاق سوق العمالة الأجنبية بلا ضوابط، كما أنّه ليس في إبقاء العامل مرتبطاً بصورة شبه مطلقة بشخص صاحب العمل. المطلوب إنهاء الكفالة الشخصية، لا إنهاء الرقابة. أي عقد إلكتروني مركزي، ودفع للأجور بطريقة قابلة للإثبات، وآلية سريعة تحمي العاملة عند الإساءة أو عدم دفع الأجر، وحق فعلي في تغيير صاحب العمل وفق إجراءات واضحة. وفي المقابل، ينبغي منع العمل لدى الغير قبل تسوية الوضع القانوني، وتنظيم النتائج المالية لفسخ العقد بلا سبب مشروع.

 

ويجب أيضاً تحويل مكتب الاستقدام من وسيط تنتهي مهمّته عملياً بعد الاستقدام إلى وسيط مهني مسؤول، يخضع لسجل مخالفات وتقييم دوري ورقابة على الأتعاب والمتابعة. وفوق ذلك كله، يحتاج لبنان إلى تقرير رسمي سنوي، يعلن أعداد العاملات بحسب الجنسية، وإجازات العمل والإقامات، وحالات تغيير صاحب العمل، وحجم التحويلات المرتبطة بالقطاع، والمخالفات المثبتة. فالمعادلة ليست بين «كفيل متسلِّط» و«عاملة هاربة». ولا يجوز لصاحب العمل حجز وثائق عاملة أو حرمانها من أجرها لأنّه دفع كلفة استقدامها، كما لا يجوز اعتبار العقد والكلفة بلا أثر عندما يلتزم صاحب العمل موجباته ثم ينتقل العامل إلى سوق غير نظامية. أخبارلبنان

 

التحويلات ليست تهمة، لكنها ظاهرة اقتصادية يجب قياسها. ومكاتب الاستقدام ليست موضع اتهام، لكنها صناعة يجب معرفة اقتصادها. والعاملة ليست ملكاً للكفيل، لكنّها في الوقت نفسه عاملة أجنبية تخضع، كأي عامل أجنبي في أي دولة، لقواعد الإقامة والعمل.

 

بعد عقود من التجربة، آن الأوان لأن ينتقل لبنان من «مبدأ الكفالة» إلى تنظيم سوق العمالة الأجنبية، وتحديد ما الحجم الذي يحتاج إليه الاقتصاد اللبناني فعلاً. ذلك هو الانتقال المطلوب، من كفالة الشخص إلى كفالة القانون، ومن السوق الرمادية إلى سوق العمل المنظمة، ومن إدارة المشكلة إلى سياسة دولة.

يوسف الصايغ

صحافي لبناني يحمل شهادة الاجازة في الإعلام من كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية. عمل في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية الاخبارية والقنوات التلفزيونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى